الضاحية تجابه كورونا بالتمرد وبـ”المُسلِّم هو الله”

صفاء عيّاد – المدن

“هلموا إلى الفوضى واللامبالاة والاستهتار”، هذا هو الشعار الساري في ضاحية بيروت الجنوبية، منذ اللحظات الأولى لإعلان تشخيص أول حالة كورنا فيها. فمن يرتدي كمامة وقفازات ويتسلح بالمعقمات في “ضاحية هيهات منا الذلة”، يُتعامل معه كأنه مخلوق فضائي، ويتلقى وابلاً من الاستهزاء والسخرية. وهذا ما تعرضتُ له شخصياً، ويمكن أن يتعرض له كل من قرر وقاية نفسه وسواه من العدوى.

المُسَلِّم هو الله
فالحاجة الخمسينية استغربت ارتدائي قفازات طبية في كفيّ أثناء انتقائي حاجتي من الخضر، فأمطرتني بوابل كلامي: “بدك تقنعينا أنو الكفوف والكمامة بيحموا من المرض؟! هيدا كذب. عم يضحكوا علينا ليبيعونا هيك أشيا”. ومن دون أن أحاول أقناعها بالتزام أي إجراء وقائي، بادرتني قائلة متعجبة: “بدك تقنعيني؟!”. لم أستطع الرد أو الخوض في مغامرة إقناعها. فالحاجة ومثيلاتها متسلحات بالمقولة – الحكمة السائرة: “المُسَلِّم هو الله” وأمثالها. وقد يلزمهنّ سنوات لتقبل مفهوم الإقناع، وبأن سُبل الوقاية من كورونا يلزمها بالحد الأدنى الوعي والشك بأن الله وحده المسلم من كل شيئ، لاتباع إجراءات وإرشادات وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية.

لن أدّعي بأنني جُلتُ الضاحية شارعاً شارعاً، وبأنني مررت في أزقتها المخفية والظاهرة. لكن جولتي التي بدأتها من البناية التي فيها منزلي، وجلت في شوارع منطقتي حارة حريك والغبيري، كفيلة بأن تختصر واقع الاستهتار الشعبي بفيروس كورونا، والذي من المؤسف أن انتشاره قد يكون مدوياً في الأسابيع المقبلة. وهي كفيلة أيضاً (جولتي) بأن تظهر غياب أجهزة الدولة عن تأمين حماية صحية وإرشادات وإجراءات ملزمة لأهالي ضاحية بيروت الجنوبية التي تواجه الوباء بإيمانها وتمردها المذهبيين.

الطابور المصطف أمام أحد أفران الغبيري، لصيته الذائع وتنوع منتوجاته وحلوياته، لاأحد منه يلتزم آداب السعال والعطس، ولا المسافة الآمنة، وحتى أدوات التعقيم التي وضعتها إدارة الفرن على صندوق المحاسبة، لا تعني شيئاً لأي من المصطفين في الطابور. والقُبلات والمصافحات بينهم على الغارب. ووصل حال بعض الزبائن إلى السخرية على الموظفين الذين يرتدون قفازات وكمامات: “كله رشًح بسيط، ليش معظمين الموضوع؟!”. وطبعاً لأن “الزبون دائماً على حق”، لا يحق للموظف الإجابة والدفاع عن نفسه. ووفقاً لصاحب الفرن، الموظفون لديهم حق حماية أنفسهم: “فذرة وقاية أفضل من قنطار علاج”.

سلامة الغذاء الدينية
أما الفوضى القاتلة فتتجلى في انعدام الحس الأخلاقي والمسؤولية المجتمعية، كحال مدينة الألعاب الترفيهية للأطفال على طريق المطار، والتي تفتح أبوابها في عطل نهاية الأسبوع للأطفال وذويهم: “فالدنيا ربيع والجو بديع”، قالت إحدى النساء التي جلبت معها خادمتها لترعى الأولاد. وكأن تعطيل المدارس وقاية من تفشي الوباء، هو للاستجمام اليومي وليس للتقليل من الاختلاط.

وهذا يستدعي السؤال عن دور البلديات في مراقبة هذه الأماكن: النوادي الرياضية، ملاعب كرة القدم المنتشرة في الضاحية، ومحلات الميني ماركت والأفران ومدينة الملاهي طبعاً. فأن كان كُثر قد أجمعوا على أن بلديات الضاحية غائبة عن إجراءات التعقيم والتوعية، إلا أنها ملتزمة مراقبة “سلامة الغذاء” المتبعة منذ سنوات لغايات دينبة. وللتذكير فإن معظم بلديات الضاحية يديرها حزب الله.

لكن رئيس بلدية الغبيري معن الخليل يوضح لـ”المدن”، بأن البلدية تقوم بالمهام المطلوبة منها وملتزمة التعليمات التي صدرت عن وزارة السياحة والحكومة اللبنانية. وأبرزها مراقبة إقفال نوادي الرياضية وملاعب كرة القدم. وأوضح بأن بلدية الغبيري وزعت أدوات التعقيم على الإدارات العامة والمكتبات العامة الواقعة ضمن نطاقها. وأكد أن البلدية قامت بإلزام مدينة الألعاب الترفيهية بالإقفال وأبلغتها بقرار مساء الإثنين 9 آذار. ولفت الخليل إلى تعقيم دورالعبادة والمراكز الصحية كافة. وقال: “نحن نقوم بما علينا. لكن على المواطنين التعاون في مجال الوعي والوقاية”.

النكران سيد الموقف
الأخطر هو اعتبار كورونا “مؤامرة أميركية وغربية، لضرب شعوب المنطقة والمقاومة”. وهذه “حقيقة فعلية” يلمسها من يعمل في الجسم الطبي. فقد روت فاتن لـ”المدن”، وهي صاحبة صيدلية في الضاحية، معاناتها اليومية منذ بدء الحديث عن كورونا. فقد جاءتها حالتان إلى الصيدلية، وتبعاً لسردهما وضعهما الصحي، تنطبق عليهما عوارض كورونا: الحرارة المرتفعة، احتكاكهم بقادمين من دول موبوءة، مما يستعدي التشخيص الفوري من الطبيب، والتوجه إلى المستشفى لحماية أنفسهم والآخرين. لكن وسائل ومحاولات الإقناع كلها باءت بالفشل، حيال عناد الشخصين وتردادهما أمثولة: “لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”. وتضيف فاتن: نعيش حالة رعب بسبب غياب الوعي الصحي والوقائي، والإستهتار في التعامل مع فيروس كورونا، بحجة: “شو وقفت عليّي؟!”.

والحال نفسها في محلات الصيرفة وصالونات التجميل. قلة من العاملين فيها يتخذون تدابير الوقاية أو يلتزمون بها، وكذلك زبائن هذه المحال. فإلى متى المكابرة على كل شيئ، بذرائع دينية لا يقبلها العلم والعقل؟ وهل ستبقى حالة النكران التي يعيشها قسم كبير من سكان الضاحية سائدة في الأيام المقبلة؟

المصدر
المدن
الوسوم

مواضيع مرتبطة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق