ليلة حصار ثكنة الحلو: تحطيم المصارف وقيود المعتقلين

وليد حسين – المدن

من المصرف المركزي صعوداً في اتجاه عائشة بكار، ومروراً بمار الياس ووصولاً إلى ثكنة الحلو، لم يسلم فرع مصرف واحد من المحتجين، الذين كانوا تجمعوا أمام المصرف المركزي، سمّت مجموعة من الناشطين نفسها باسمه، على غرار مجموعتي الرينغ والقنطاري، مثلاً. وفي تجمعهم راحوا يتوعدون السلطة وحاكم المركزي والمصارف بموجة غضب عارمة.

وفي طريقهم إلى ثكنة الحلو، حيث يعتقل 51 محتجاً في ليلة شارع الحمراء أمس 14 كانون الثاني الجاري، حطم المحتجون زجاج فروع المصارف وآلات الصرف الآلي.

استكمال الليلة السوداء
بعد ليلة المصارف السوداء في الحمراء، وضعت جدران اسمنتية ضخمة أمام المصرف المركزي، شبيهة بتلك التي وضعتها القوى الأمنية في وسط بيروت. جدار ضخم لمنع المتظاهرين من الوصول إلى الباحة الخارجية للمصرف.

وصب المتظاهرون غضبهم على المصارف التي تمعن في إذلال المواطنين وحجز أموالهم، وعلى حاكم المصرف المركزي مرددين: “لا باطون ولا حديد/ اليوم جايي التصعيد”، و”علّي سور المجلس علّي/ بكرا الثورة تشيل ما تخلي” و”حطوا هيدا الجدار/ ليحموا هالتجار/ قولوا لرياض السفاح/ نحنا قررنا الكفاح/ خوذ بالتار يا فقير/ هيدا المصرف بدو تكسير”، و”يا سلامة بدنا نحاسب/ شعب بلادي كلو غاضب”.

علي شعيب
كانوا في البداية قليلي العدد وبدا من الهتافات أن المتظاهرين ينتمون لليسار: “رصوا الصفوف رصوا الصفوف/ درب التضال طويل طويل/ مع العمال والفلاحين”. وبدا الغضب على وجوههم وفي هتافاتهم واضحاً، بعد ليلة المواجهة مع القوى الأمنية والتي أسفرت عن أكثر من خمسين جريحاً وواحد وخمسين معتقلا. وبدوا مصرين على تحطيم المصارف وإسقاط “حكم المصرف” هاتفين لأحد المعتقلين الذي شارك في تحطيم المصارف “تسلم إيدك علي شعيب”. وهذا كان قتل في بنك أوف أميركا الذي أغار عليه واحتله سنة 1973، مع مجموعة من رفاقه المناضلين ضد الإمبريالية الأميركية والرأسمالية اللبنانية.

مخلوعة مخلوعة
بعد أكثر من نصف ساعة من الهتاف بدأ عددهم يزداد وباتوا أكثر من خمسمئة شخص. انطلقوا في اتجاه شارع الحمراء، على وقع هتاف: “شبيحة شبيحة” في وجه مكافحة الشغب التي اقفلت الطريق بوجههم. وهتفوا أيضاً “مخلوعة مخلوعة/ ريا الحسن مخلوعة”، محملينها مسؤولية العنف الذي تعرضوا له الليلة الفائتة. عادوا أدراجهم إلى أمام المصرف المركزي. وانتحلوا الاغنية الشهيرة ضد جبران باسيل، وأطلقوها ضد رياض سلامة.

من أمام المصرف انطلقوا إلى ثكنة الحلو للاعتصام أمامها والضغط للإفراج عن المعتقلين. وإلى جانب الهتافات الداعية لإسقاط النظام، نال سلامة أقذع الشتائم. بدت مسيرتهم وهم يغنون: “لو لو لو لولا لو المصارف عرصة… لو لو لو لولا لو سلامة ع…”، أشبه باحتفاليات النصر.

احتفالاً بالعنف الثوري
هياج وفرح وغضب مع مسيرة للدراجات النارية. وراحوا يطلقون المفرقعات، ورموا حاويات النفايات وسط الشوارع. وبين هتاف: “من الوطن للعمال/ تسقط سلطة رأس المال”، و”وطز واحد طز مية/ طز بالحكومة اللبنانية”، وهتافات ضد رئيس الجمهورية، وراحوا يحطمون واجهات فروع المصارف وآلات الصرف الآلي. بدوا كأنهم يحتفلون بقدرتهم على العنف الثوري المستبطن منذ سنوات. عنف يريدون من خلاله ثبيت شأفتهم وسطوتهم في احتلال الشوارع: “قولوا للعالم كلا/ هيدي الساحات إلنا”. هتفوا في غمرة فرحهم “للشغب الممارس/ ضد المصارف”. وعندما تمكن أحدهم من زجاج بنك عودة في شارع مار الياس بعد محاولات عدة لتكسيره من دون جدوى، هتفت له الجموع بفرح وغبطة: “هووووو”. ولم تسلم حتى آلة صرف واحدة من التحطيم والتكسير.

أمام الثكنة
وكان أهالي معتقلي الليلة الفائتة يعتصمون أمام ثكنة الحلو. وجرت محاولات قطع الطريق أمام الثكنة، فحصل تصادم مع القوى الأمنية الرافضة إخلاء سبيل المعتقلين على ذمة التحقيق. وحضرت لجنة المحامين لتفقد المعتقلين والمطالبة بإخلاء سبيلهم، إلى حين استكمال التحقيقات واستدعائهم لاحقاً، في حال ثبت على أحدهم المشاركة في تكسير المصارف، على ما قال المحاميان واصف الحركة وأيمن رعد أمام الثكنة.

لم تفرج السلطات عن المعتقلين. فقرر المحتجون تفجير غضبهم على المصارف، خصوصاً في ظل الإجراءات غير القانونية التي تعتمدها منذ ثلاثة أشهر، من دون أن تتحرك أجهزة الدولة لحماية حقوق المواطنين.

كان المتجمعون أمام ثكنة الحلو أكثر من ألفي شخص، وتناولت الهتافات وزيرة الداخلية ريا الحسن وحاكم مصرف لبنان وغيرهما بأقذع العبارات: “شياح الغبيري … ع.أ..”.

إلى آخر الليل
بعد أكثر من نصف ساعة من الهتافات وإلقاء المفقرعات وعبوات المياه الفارغة على القوى الأمنية، تدخلت الأخيرة وفرقت المتظاهرين بين شارع مار الياس وكورنيش المزرعة، وألقت القنابل المسيلة للدموع وسقط عدة جرحى. ثم عاد المتظاهرون بعدما تفرق أكثر من نصفهم وتجمعوا من جديد أمام ثكنة الحلو.

من ناحية مار الياس افترش بعض المعتصمين الأرض ورددوا هتافات ضد السلطة، مطالبين بالافراج عن المعتقلين. فيما انهالت المفقرعات والحجارة على القوى الأمنية من المتظاهرين المتواجدين للجهة كورنيش المزرعة. وما هي إلا لحظات حتى انهال هؤلاء المتظاهرون عليهم بالحجارة ما جعل القوى الأمنية تهرع إلى داخل الثكنة. مشهد بدا أشبه بغزوة كاد المتظاهرون يحتلون المدخل، فانهالت القوى الأمنية عليهم بالغاز المسيل للدموع في كل الاتجاهات حتى نالت إحدى شقق المحلة نصيبها بقنبلة سقطت على شرفتها.

تفرق المتظاهرون في كل الشوارع، واصطفوا على زوايا أرصفتها لمعاودة التجمع من جديد. وعمد بعضهم إلى تحطيم عدادات ركن السيارات. بدوا وكأنهم يفجرون فورة غضبهم الدفين على “السلطة”، متمثلة بأملاكها العمومية وصفقات فساد تركيبها. ولعل هتاف “تيكا تيكا تيكا والدولة بدنا ن..كا” التي رددها المتظاهرون طوال الوقت تعبر عن هذا الغضب الدفين على “الدولة”. واستمرت حالة الكر والفر وسقط الكثير من الجرحى واعتقل العديد من المتظاهرين.

هدأت الأمور بعد منتصف الليل، بعدما طمأنت لجنة المحامين أن المدعي العام أصدر إشارة بترك 52 معتقلاً، وأنهم أُبلغوا من الضابط المسؤول بأنهم سيخلون سبيلهم تباعاً. وبعدما خرج أول عشرة معتقلين علت الزغاريد ورش الأرز وهتافات “هيلا هيلا هو الشباب طلعوا من ثكنة الحلو” و”ثوار احرار منكمل المشوار”…

المصدر
المدن
الوسوم

مواضيع مرتبطة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق