مقالات

بين الجنوب والجبل.. نبي يوسف ووليد جنبلاط

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

باتَ من الواضحِ، أنّ حضورَ الدولةِ في الأزمةِ الاقتصاديّة الحالية بدأ يتقلَّص لمصلحةِ الأحزابِ، التي تُبدِع في إنتاجِ الحلول لا بل تتولّى إدارتها والدولة تكتفي بأداء دور “شاهد ما شفش حاجة”، كلّ حزبٍ في منطقتهِ. وما دامَ المنطق السياسي السائد في لبنان هو “لكلّ طائفة حزب”، تصبح الحلول ذات وجهٍ مذهبيٍّ يُتيح لكلّ حزبٍ أن يتوكَّلَ بطائفتهِ وأزماتها.

بالأمس، قالها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من دون خجلٍ. “الجبلُ على مشارفِ الجوعِ. الجبل ولبنان. لكن يهمّني الجبل”.

قبله، ردَّدَها “الثنائي الشيعي”، لكن بوتيرةٍ أخفّ حدّةٍ. لم يقل “يهمّني البقاع أو الجنوب أو الضاحية”، بل باشرَ في تشجيعِ تنفيذِ المبادرات الزراعية “الفردية” التي تتيح تأمين الاكتفاء الذاتي على صعيدِ الحبوبِ، كالقمحِ والعدسِ، في تلك المناطق.

في الحالتَيْن، يكون كلّ منهما توكَّلَ أمر منطقته فقط. جنبلاط لخَّصَها في الجبل وراشيا وبعض المناطق ذات الوجود الدرزي، و”الثنائي الشيعي”، حصَرَ المبادرات ضمن نطاقه الجغرافي أيضًا.

وليد جنبلاط، ليس الوحيد الذي تهمّه منطقته “ومن بعدها الطوفان”. تقريبًا، غالبية الأحزاب في لبنان (إن لم يكن كلّها)، تتعاطى وفق المنطق ذاته، لكن جنبلاط هو علامةٌ فارقةٌ، إذ أنّه الأقدر والأصلح وربما الأكثر جرأة على البوحِ في الأشياءِ بأسمائها “من دون لفٍّ ودورانٍ”.

ربما يكون وليد جنبلاط الأبرز بين السّاسةِ أصحاب نظريّةِ العودةِ إلى منطقِ “الإدارات الذاتية” كحلٍّ “ظرفيٍّ ناضجٍ” يفيد يإرساءِ الهدوءِ الاجتماعي على المدى البعيدِ، فيُخفِّف عن كاهلِ الدولة ويرفع من أدوار الأحزاب التي تحتاج بعد 17 تشرين إلى متنفَّسٍ يعيدها أولوية على صعيدِ المجتمعِ.

وقد يكون وليد جنبلاط أكثر زعيمٍ سياسيٍّ يحتاج اليوم إلى هذا المُتَنفَّس وهو يختبرُ في شارعهِ إرهاصات الانقلاب عليه وإتهامه بأنّه أحد أسباب الفشل… ومن خلال مبادراته الشبيهة إلى حدٍ ما بمبادرة “الثنائي الشيعي” ما خلى إضافة عامل تأمين الدواءِ والمَلبسِ، يريد وليد جنبلاط، تحويل الأزمة إلى فرصةٍ تعيد ترسيخ زعامته في الجبل، على الأقلّ هذا يراه من هم على يسارِ الزعيم الدرزي.

في الجنوب، النهج نفسه تقريبًا. يريدون تحويل الأزمة إلى فرصةٍ، والفرصةُ هنا تقبع تحت مفرداتِ “المقاومة والمواجهة”، والأخيرة، بمنطقها هنا لها بعض الأكلاف التي ستحمل في نهايةِ المطافِ نسخة جديدة “مسجَّلة” من علاماتِ الانتصار.

أصلًا، ومنذ أمدٍ بعيدٍ، قرَّرَت الدولة ترك أهالي قرى الجنوب لمصيرهم، سواء على ضفة الاعتداءات والحروب الاسرائيلية أو على ضفة المعيشة، النتيجة واحدةٌ، “إبن الجنوب لا دولة عنده”، وإن وجِدَت يقتصر ذلك على بعضِ مخافر القوى الأمنية، رغم أنه ما برحَ يدعو الدولة إلى تأمين حضورها.

وفي الأزمةِ الحالية، يعتبر إبن الجنوب، أنّه بمثابة واحدٍ من المعنيين مباشرةً فيها تبعًا لظروفها السياسيّة وغير السياسيّة. وأصلًا، هو ما برح نقطة التحديات والمواجهات وتحمل ظروفها وعواقبها، لذا اتخذت البلديات قرارها بتشجيعِ زراعةِ الأراضي البور، التي لا يستخدمها أصحابها وليسوا بحاجة إليها، وذلك بالحبوبِ كالقمحِ والعدسِ والذرة والحمص.

في بعضِ الاماكن، تقوم البلديات بأعمال الزراعة، وفي أخرى، ينحصر دورها على تأمين البذور للمزارعين وإتاحة الفرصة أمام إستخدام المعدّات من دون مقابلٍ ليُصار بعدها إلى حصادِ المحاصيلِ وتخزينها، والتصرّف بها من جانبِ البلديات، وفق مقتضيات الحاجات الغذائية.

البعض، اصطلحَ على تسميةِ الحالة الجاري تطبيقها في الجنوب بـ”استراتيجيّة النبي يوسف”، يومَ بشَّرَ أهل مصر بـ 7 سنين عجاف يأتي قبل هذه الأعوام، 7 أخريات تُستَغلّ في زراعةِ الحنطةِ وتخزينها لاستخدامها لاحقًا حين يحلّ القحط. بهذا القدر، “يضبّ الجنوبيّون” قرشهم الابيض ليومهم الأسود.

في الحقيقةِ، مبادرات “الصمود الاجتماعية” على أهميتها قد يجدها البعض أقرب صورة إلى تطبيق ثقافة “الكانتونات” أو استعادة اشكالها تحت ذريعة الحاجة في زمن السلم، على غرار تلك التي وُلِدَت خلال مرحلةِ الحرب، وذلك بالاستناد إلى الظروف الحالية، وآخرون يعتبرون، أنّها طريقة تفصح عن رغبةٍ في ترسيخِ “فدرلةِ طوائفٍ وأحزابٍ”، ربما تأتي مقدمة لفدرلة أوسع، يقول الجميع، أنّها منبوذة من قبله، لكنها وفي لحظةٍ ما قد تجد طريقها للتطبيق بالممارسة على غرار تطبيق “فيدرالية الديموغرافيا” التي نعيش واقعها اليوم، حيث تستقرّ كل طائفة ضمن بقعةٍ معيّنة.

في النتيجةِ، ولو أنّ مبادرات مشابهة قد تؤمِّن فعالية على صعيدِ المناطقِ وتصلح لتأمينِ الحاجيّات التي قد ينذر وجودها في السوق ما دامت الظروف تؤشر إلى ميلان كفة أرجح صوب نفاذ المواد الاولية في المدى المنظور كواحدةٍ من انعكاسات الازمة الاقتصادية التي نحن في مستهلِّ الدخول اليها، لكن وعلى المدى الطويل، قد تؤسِّس سواء لـ “الادارات الذاتية” أو “الفدرلة المُقنَّعَة” المُسمَّاة “لامركزية إدارية” الى نتيجةٍ واحدةٍ: تفسّخٌ اجتماعيٌّ مع انضواءِ وتقوقعِ كلّ حالةٍ ضمن جغرافيّتها.

في الخلاصةِ، البعض يحبِّذ استحضار وضعيّة مجاعة عام 1915 ليُسقِطها كفرضيّةٍ جديدةٍ ومنطقيّةٍ يمكن نسبها إلى الوضعِ اللبناني الراهن، لكن فعليًا، ظروف تلك المجاعة تختلف عن تلك الزاحفة الآن صوبنا.

في المنطق العام، الأزمتان هما ذات جذور سياسيّة، هذا واضحٌ، لكن الفرق بينهما، أنّ مجاعة عام 1915 تعود براءة إختراعها إلى سياسات السلطات العثمانية إبّان الحرب العالمية الأولى، لكن النسخة الجديدة، يعود شرف إنتاجها إلى طبقةٍ سياسيّةٍ ما فقهت سياسات الاقتصاد على مدى 30 عامًا، زِد عليها استهدافات سياسيّة أميركيّة بإستخدامِ سلاحِ الدولار.

المصدر
ليبانون ديبايت
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع مرتبطة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق